ازدادت حدة التنافس الإقليمي والدولي على التموضع ونشر الجيوش وتثبيت مواطئ الأقدام في دول القرن الإفريقي بشكل أكثر وضوحاً خلال عامي 2016 و2017.
وتعد منطقة القرن الإفريقي ذات أهمية إستراتيجية في تأمين مرور الطاقة والسفن التجارية، عبر مضيق باب المندب، لتجنب الإضرار بمصالح الدول جراء الصراع الداخلي في اليمن المطل على المضيق، وتفادي خطري الإرهاب والقرصنة.
وتعتمد بعض دول القرن الإفريقي على الاستثمار في موقعها الجغرافي المتميز على مضيق باب المندب، الذي يعد شرياناً حيوياً لنقل جزء مهم من الطاقة إلى السوق الأوروبية والعالمية.
وتندرج ظاهرة تأجير قواعد عسكرية لدول أخرى في ذات سياق الاستثمار بالموقع الجغرافي من أجل تحقيق إيرادات مالية تعزز من اقتصادياتها التي تعاني في معظمها من التراجع لأسباب تتعلق بالحروب الداخلية والجفاف والتنافس الدولي والإقليمي الذي غالبا ما يكون على حساب المصالح الخاصة بتلك الدول.
**صراع اليمن.. بوابة الدخول الإماراتي للقرن الإفريقي
تلتقي إستراتيجية دولة الإمارات في القرن الإفريقي على المزاوجة بين المصالح الوطنية وتنامي نفوذها العسكري ودورها الإقليمي لمنافسة دول أخرى مثل مصر والسعودية وإيران، في ذات الوقت تلتقي “بعض” الأهداف الإماراتية مع أهداف الدول الأخرى فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب ومحاربة القرصنة البحرية.
وعقب سيطرة جماعة أنصار الله (الحوثي) على العاصمة اليمنية صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014، وزحفهم نحو ميناء عدن، تشكل تحالف عربي بقيادة السعودية في مارس/آذار 2015 لاستعادة الشرعية للحكومة اليمنية برئاسة عبد ربه منصور هادي المقيم في الرياض.
وكان من مستلزمات الدعم اللوجستي للتحالف العربي إقامة قاعدة دعم عسكرية متقدمة في جيبوتي على الجهة الغربية من مضيق باب المندب المقابلة لجزيرة بريم اليمنية التي تحتل موقعا متميزا في المضيق البالغ عرضه 27 كيلومتراً فقط بين ضفتيه.
كما اتجهت الإمارات نحو الاستثمار في إريتريا منذ منتصف عام 2015 والذي عززه التواجد العسكري الإماراتي في قاعدة عصب الإريترية التي تعد مركز عمليات متقدم للقوات الإماراتية العاملة في جزر سقطرى اليمنية، إلى جانب توسيع وجودها متعدد الجوانب في ميناء “بربرة” التابع لحكومة أرض الصومال (الانفصالية).
ويرى مراقبون، أن الإمارات استغلت قرب الانتخابات الرئاسية الصومالية التي فاز بها الرئيس الحالي محمد فرماجو في فبراير/شباط 2017 لتوقيع اتفاقية ميناء “بربرة” مع حكومة أرض الصومال في مايو/أيار 2016 مستغلة انشغال الحكومة السابقة بالمشاكل والأزمات الداخلية وعدم رغبتها في فتح ملفات تتعلق بحكومة أرض الصومال، أو الدخول في مشاكل خارجية.
ويعد ميناء “بربرة” الواقع شمال غرب الصومال من أقدم موانئ البلاد، وتم بناؤه عام 1968 كبوابة للاستيراد والتصدير عبر البحر الأحمر.
ورفض فرماجو القبول بشرعية العقد الموقع لمدة ثلاثين عاما مع دولة الإمارات لإدارة ميناء بربرة في جمهورية أرض الصومال، غير المعترف بها دوليا.
واتخذت حكومة الصومال الاتحادية قرارا في 2 مارس/آذار 2018 بإلغاء اتفاقية تشغيل ميناء “بربرة” بين شركة موانئ دبي العالمية وحكومة أرض الصومال وإثيوبيا بعد يوم واحد من إعلانها.
وفي 12 مارس/آذار 2018، صوت البرلمان الصومالي على مشروع قرار يتم بموجبه إيقاف عمل شركة موانئ دبي العالمية في جمهورية أرض الصومال.
وكانت جمهورية أرض الصومال قد أعلنت “استقلالها” عن الصومال بعد اندلاع الحرب الأهلية عام 1991، لكن المجتمع الدولي لا يعترف بها كدولة مستقلة حتى الآن.
**دواعي التحرك الصومالي المضاد للإمارات:
على الرغم من العلاقات “الطبيعية” التي كانت سائدة بين الحكومة الاتحادية الصومالية ودولة الإمارات؛ لكن الحكومة الصومالية وجدت ما يكفي من دواعي التحرك لوقف ما تراه “تدخلاً” إماراتياً في شؤونها الداخلية بعد توقيع عقد تشغيل ميناء “بربرة” مع حكومة إقليم أرض الصومال، وإقامة قاعدة عسكرية على أراضي الإقليم على الرغم من أن حكومة الإقليم لا تمتلك شرعية عقد مثل هذه الاتفاقيات مع الدول الأخرى، وهي حكومة أُعلنت من جانب واحد، ولم تعترف بها الحكومة الاتحادية.
في 27 مارس/آذار 2018 دعا ممثل الحكومة الاتحادية الصومالية في الأمم المتحدة أبو بكر عثمان، خلال جلسة مجلس الأمن الدولي، إلى إيقاف “الانتهاكات الإماراتية لسيادة ووحدة الأراضي الصومالية” بعد “توقيعها مع سلطات أرض الصومال المنفصلة عن الجنوب، بشكل أحادي اتفاقية لإنشاء قاعدة عسكرية إماراتية في ميناء بربرة دون موافقة الحكومة الصومالية الفيدرالية (الاتحادية) المعترفة بها دوليا”.
وتنفرد دولة الإمارات بعلاقات ثنائية مباشرة “خاصة” مع الأعضاء في الاتحاد الفيدرالي، وهو ما لم تفعله تركيا أو السعودية التي تتعامل مع الحكومة الاتحادية في مقديشو واستقبلت الرئيس محمد فرماجو وقدمت لحكومته دعما بمبلغ خمسين مليون دولار.
وطالبت الحكومة الصومالية في 20 أبريل/نيسان 2018، على لسان وزير خارجيتها أحمد عيسى عوض، حكومة الإمارات بإعادة النظر في الاتفاقية المبرمة مع جمهورية أرض الصومال (الانفصالية) والعمل مع الحكومة الاتحادية لتفادي انتهاك سيادة الصومال، حيث أن اتفاقية موانئ دبي العالمية الموقعة في العام الماضي لتشغيل ميناء “بربرة” في أرض الصومال “تجاوزت السلطة الشرعية” للصومال وأدت إلى سوء تفاهم وخلاف لا يزال دون حل.
وعلى خلفية “مصادرة” سلطات مطار مقديشو مبالغ مالية (9.6 مليون دولار) محمولة على متن طائرة إماراتية خاصة في 8 أبريل/نيسان 2018، قررت الإمارات إنهاء برنامج تدريب عسكري في الصومال معمول به منذ عام 2014 في إطار البعثة العسكرية للاتحاد الإفريقي بهدف هزيمة الإسلاميين “المتشددين”، وتأمين البلاد لصالح الحكومة الاتحادية التي تحظى بدعم المجتمع الدولي والأمم المتحدة.
كما أغلقت الإمارات مستشفى الشيخ زايد في مقديشو الذي ظل لعدة سنوات يقدم العلاج المجاني إلى ما بين 200 و300 مريض في اليوم من الفقراء والنازحين الذين يحصلون على جميع الخدمات والأدوية في المستشفى مجاناً.
وترتبط سلطات “أرض الصومال”، العضو في الاتحاد الفيدرالي والتي تتمتع بحكم ذاتي موسع، بشراكة إستراتيجية مع دولة الإمارات العربية المتحدة في مجالات الخدمات الأمنية والتجارة والاستثمارات ومشاريع التنمية.
ويقف الإقليم الانفصالي إلى جانب الإمارات في الأزمة مع قطر خلافا لموقف الحكومة الاتحادية التي التزمت الحياد وعدم الانحياز إلى طرف على حساب طرف آخر من طرفي الأزمة.
وتحدثت تقارير إعلامية عن استعانة الإمارات بمؤسس شركة بلاك ووتر لتأسيس جيش خاص بـ “أرض الصومال” من أكثر من ألفي جندي خارج سلطات الحكمة الاتحادية كقوات لمكافحة القرصنة البحرية.
**مخاوف من تفتت الدولة
ويكافح الصومال من أجل إعادة فرض السلطة على كامل أراضيه بعد خروجه من الحرب الأهلية التي اندلعت أوائل تسعينيات القرن الماضي وحولتها إلى دولة “فاشلة”.
وتعد الخطوات الإماراتية، بعقد اتفاقيات ثنائية مباشرة مع الأعضاء في الاتحاد الفيدرالي، تقويضا لجهود بناء علاقات سليمة بين حكومة المركز وحكومات الأعضاء في الاتحاد الفيدرالي لتدارك خطر “تفتيت” الدولة، وتقويض سلطات حكومتها الاتحادية بما يؤدي إلى “تآكل” عملية إعادة بناء الدولة التي تعمل عليها الأمم المتحدة ومنظمات دولية مهتمة عن طريق “ترميم” علاقات حكومة المركز بحكومات الأعضاء لإعادة بناء الدولة.
ولا تزال الحكومة الاتحادية تعاني من عدم قدرتها على فرض سلطاتها على كامل الأراضي المتنازع على عائديتها مع جمهورية أرض الصومال (الانفصالية) الذي يتمتع بحكم ذاتي موسع ويمارس سلطاته باستقلالية عن الحكومة الاتحادية دون التصريح برغبته بالانفصال عن الصومال.
**الأزمة الخليجية في قلب الحدث:
ويعتقد مراقبون أن دولة الإمارات اتخذت سلسلة من الخطوات، التي تؤدي في نهاية المطاف، إلى زعزعة استقرار دولة الصومال الاتحادية، وأن تلك الخطوات تندرج في إطار “الانتقام” من موقف الحكومة الاتحادية التي رفضت “الاصطفاف” إلى جانب دول المقاطعة العربية لدولة قطر التي سمحت لتركيا ببناء قاعدة عسكرية على أراضيها، وهو ما تراه تلك الدول تهديدا لأمنها.
وهناك ثمة اتجاه ضمن حكومة الصومال الاتحادية يرى أن موقفها من الأزمة الخليجية وتجنبها “الانجرار” إلى مسارات الحرب “الباردة” بين طرفي الأزمة والدولة الحليفة لهما، أو الانحياز إلى طرف منهما، سيبعدها عن خطر احتمالات “التفتت” جراء التنافس وتداعيات الصراع بين طرفي الأزمة الخليجية في دول القرن الإفريقي.
لذلك فمن غير المستبعد تبني الإمارات العربية المتحدة إستراتيجية زيادة حدة الاستقطاب الإقليمي في منطقة القرن الإفريقي بإدخال دول أخرى على خط التنافس والصراع مع الحكومة الاتحادية وحلفاء مفترضين مثل تركيا وقطر بما يسمح للإمارات بزيادة شراكاتها العسكرية مع إريتريا وإقليم “أرض الصومال” الانفصالي.
وكالة الأناضول